ابن عربي
38
الفتوحات المكية ( ط . ج )
الآراء ، وأن يبين وجوه الخلاف فيها ، ولم يقف عند الفقه السني ، بل جاوزه إلى الفقه الشيعي . ولا يبدو عليه أنه يتعصب لمذهب بعينه ، برغم أنه أندلسي المولد والنشأة ، وكان لمذهب مالك في الأندلس منزلة وسلطان . على أن فقهه يختلط كل الاختلاط بالتصوف ، فينتقل منه إلى مناجاة النفس وشمس الوجود ، والتجلي الإلهي ، والتفرقة بين الحقيقة والشريعة . وهى تفرقة سبق إليها ابن عربي منذ زمن ، وكان لها شأن في موقف الفقهاء من المتصوفة . فقد حاول بعض المتصوفة أن يفهم الدين فهماً خاصاً ينفذ إلى باطنه ولا يقف عند ظاهره ؛ ويرى أن ما انتهى إليه الفقهاء من فرائض وسنن وواجبات ومندوبات ليس إلا مجرد رسوم وأوضاع لا حياة فيها ولا روحانية . وهدف المتصوف الأول إنما هو الباطن ، وما يكشف عنه في تأملاته ومناجاته من معاني الغيب ، وهذا هو علم الباطن . وعلم الباطن عندهم هو علم الحقيقة ، في حين أن الشريعة تقف عند علم الظاهر وحده . ولا يترددون في أن يصعدوا بعلم الحقيقة إلى مستوى أعلى من علم الشريعة . وتلك ولا شك ثورة من الصوفية على الفقهاء . ولم تخل هذه الثورة من إلغاء للتكاليف ، وإهدار للحقوق ، وتهاون بأوامر الله ونواهيه ، وقد قاومها الفقهاء ما استطاعوا ، وشنوا عليها حملات متعاقبة . لعل من أعنفها حملة ابن تيمية الذي جاء بعد ابن عربي بنحو قرن من الزمان . ودون أن يعرض ابن عربي في هذا السفر لهذه الخصومة ، فهو ولا شك إلى علم الحقيقة أقرب ، وبه ألصق . * * وسيجد القراء في هذا السفر ألواناً من الدرس والبحث ، وضروباً من العلم والمعرفة . وأنا واثق من أنهم يجددون معي شكرهم الخالص للأستاذ المحقق الذي يسر لهم أمر الموقوف عليها والإفادة منها . إبراهيم مدكور